التصنيفات
ahvalnews مقالات

تسعة أيام مع جثة أحد أحبائك الكرد في تركيا | أحوال تركية

في ديسمبر 2015، في اليوم الثاني عشر من حظر التجول المفروض على مدار الأربع والعشرين ساعة في مقاطعة شيرناق، على طول الحدود التركية مع العراق وسوريا، تضورت عائلة في حي سيلوبي جوعاً وهي تختبئ في الطابق السفلي في منزلها.

في الخارج، اندلعت اشتباكات بين الجيش التركي والمتمردين الأكراد. عندما صعد كبير الدار حسن سنير البالغ من العمر 73 عاماً – أو سيدا كما يعرفه سكان سيلوبي – إلى الطابق العلوي للحصول على الطعام، أصاب الرصاص نوافذ المطبخ، ما أدى إلى تحطيم الزجاج.

أصابت رصاصة سيدا في الظهر وأصابت أخرى رأسه. أطلق سيدا صرخة صغيرة، وتوفي بجانب خزانة المطبخ. يقول البعض إن طلقات الرصاص استهدفت سيدا عن عمد، في حين يقول آخرون إنه أصيب بشكل عشوائي في تبادل لإطلاق النار. ومهما كان الوضع، فقد سمعت العائلة صرخته وركضت إلى الطابق العلوي. وضع ابن سيدا بطانية على جسد والده بعدما فارق الحياة، وسط خزائن المطبخ المليئة بعلامات طلقات الرصاص.

اتصل الابن بالسلطات، لكن لم يأت أحد لنقل الجثة. لمدة تسعة أيام، حتى أصبحت الاشتباكات شديدة للغاية وأُجبروا على المغادرة، كانت العائلة تعيش في المنزل بجانب جثة سيدا.

بعد أسبوعين من وفاته، تسلم ضباط الشرطة جثة سيدا في نهاية المطاف، وتم إرسالها إلى شيرناق لإجراء عملية تشريح للجثة، ودُفنت في وقت لاحق في سيلوبي.

فمن كان سيدا؟

كان سيدا شخصية محترمة في سيلوبي. لقد كان إماماً لسنوات. كان أحد الأئمة الذين بدؤوا حركة الجمعة الأهلية، والتي أقيمت فيها صلاة الجمعة في أماكن خارج المسجد. كان ناشطاً في السياسة المحلية من خلال حزب الأقاليم الديمقراطي. وقد كان دائماً واحداً من أوائل من تدخلوا وساهموا في حل النزاعات.

وقال مضيفي في سيلوبي “لقد فقدنا مثل هذا الشخص المحترم، ولكن مثل هذه الخسارة المهمة لم تظهر في الأخبار”.

خلال زيارتي في الآونة الأخيرة، كانت خزائن المطبخ لا تزال مليئة بالثقوب. كان أحد الأحفاد نائماً في المهد، بينما كان يرقد اثنان على الأرض. استمع حفيد آخر، عمره نحو 12 أو 13 عاماً، إلى حديثنا بعيون مليئة بالغضب.

وبعد أن تحدثت مع والدتهم لبعض الوقت، دخلت عائشة، جدتهم وزوجة سيدا، وعانقتني عناقاً هائلاً. وقالت “مرحبا بك في منزلنا”.

شعرت بالحرج، حتى أدركت كيف تشعر أسرة سيدا بالوحدة، مثل العديد من العائلات الأخرى في جنوب شرق تركيا في أعقاب أعمال العنف التي ضربت المنطقة في الفترة من أواخر عام 2015 إلى أوائل عام 2016.

أحضرت لي الأسرة المكسرات والشاي القوي. سلمتني العمة عائشة صورة لسيدا وبدأت تتحدث معي بعيون براقة عن حبيبها.

وقالت “لقد كان طيباً جداً مع الناس من حوله. كان شخص لديه أفكار جيدة. كان يساعد على دفن كل مقاتل سقط. كان لا يعرف الخوف. وكان وطنياً ومعروفاً ومحترماً. هذا جعله هدفاً. لقد أطلقوا النار على منزلنا لمدة ساعة ونصف”.

وتابعت قائلة “لقد أحبني وأحببته. معه، كنت في سلام، ورفعت رأسي عالياً. لكنه رحل الآن، وأنا مُدمرة. أنا مشتاقة إليه كثيراً. الآن أتحمل العبء الذي كان يتحمله، ويجب أن أتحمل المسؤولية عن قضيته. كانت معتقداتنا متوافقة، ولدينا نفس الرأي في كل شيء. هذا هو القدر الذي كتبه الله لنا، ماذا يمكننا أن نفعل؟”

سألت عائشة كيف كان قضاء تسعة أيام مع جثة حبيبها.

فقالت “فتاتي، عندما دفناه شاركت الشرطة حتى في الصلاة. ولكن هل تعرفين ما يؤلمني أكثر؟ لقد بذل الكثير من الجهد في هذا النضال، لكن صورته لم تظهر مرة واحدة على شاشات التلفزيون.. وفاة مثل هذا الرجل المحترم، الذي قضى حياته كلها يكافح من أجل هذه القضية، لم تسفر عن خبر واحد. هل يمكنك أن تتخيلي ما يعنيه بقاء الجثمان على الأرض لمدة تسعة أيام؟ فكري فقط في أن جثة حبيبك موجودة في المطبخ، ولا يمكنك دخول ذلك المطبخ لاستعادتها”.

إذا كان بإمكاننا فقط أن نتصور هذا للحظة واحدة فقط، فقد تكون تركيا مكاناً مختلفاً اليوم، حسبما قالت عائشة.