التصنيفات
ahvalnews مقالات

تركيا.. ولاء باطل وقسم باطل | أحوال تركية

نشأت في تركيا، وتماما مثل العشرات من أصدقائي في المدرسة كنت أكره التلاوة اليومية الصباحية لنشيد الولاء لمؤسس تركيا مصطفى كمال أتاتورك، وتكريس وجودنا وممتلكاتنا للأمة التركية.
وفي مرات كثيرة لم نكن ننشد النشيد، وكان كل واحد يتمتم ببعض الكلمات مع نفسه حتى لا يظهر أنه لا يقول شيئا. لم يكن المدرسون ولا مدير المدرسة يتسامح في هذا الأمر، وكان الأطفال الذين لا يتلون النشيد يُضربون على أياديهم بالمسطرة.
وعندما كنت في المدرسة الابتدائية خلال الثمانينيات، ورغم كل الضغوط وسياسات الاستيعاب التي انتهجتها الحكومة التركية، كنا نعرف أننا أكراد، ولم نكن نريد أن نردد عبارة “طوبى لمَن يقول أنا تركيّ”. وكان وقع ذلك على بعض التلاميذ شديدا.
كانوا يريدون أن يكونوا “أتراك، محترمون، مجدون، سعداء” كما يقول نشيد الولاء. وإن لم يكونوا أتراكا فقد كانوا يؤمنون بأنهم ليسوا محترمين ولا مجدين. وبالنسبة للسعادة، فقد كانت تراوغنا.
على الأقل، عندما نشأت في حي شيهيتليك بمدينة ديار بكر في جنوب شرق البلاد، لم نكن سعداء للغاية. كان الحي مركز إدارة حالة الطوارئ التي أعلنت بعد الانقلاب العسكري في عام 1980.
كانت منطقة ينتشر فيها الفقر والعنف. وفي كل أسبوع كنا نشهد عمليات إخفاء قسرية، واغتيالات سياسية ترتكب علنا، وسلسلة مستمرة من الطلاب الذين يفرون إلى الجبال للانضمام للمقاتلين المتمردين. لقد فقدنا الكثير من الناس في شيهيتليك، الكثير من الناس الجميلة.
فلم يسهم إنشاد “إنني تركي ومحترم ومجد في عملي” كل يوم في استيعابنا، بكل جعلنا أيضا نشعر بغضب متزايد من نظام فرض ذلك علينا يوميا، وتسبب في تراجع حبنا لهذا البلد شيئا فشيئا.
وأعادني قرار القضاء التركي في الآونة الأخيرة بإلغاء قرار سابق للحكومة بوقف نشيد الولاء في المدارس بذاكرتي إلى فترة الطفولة. 
وعندما سمعت الخبر لأول مرة كتبت تغريدة تقول “ما هذا، نشيد الولاء المدرسي عاد ثانية!، إنني كردية، وكذلك أطفالي. لماذا يضطر أطفالي لقول “طوبى لمَن يقول أنا تركيّ” في المدرسة كل يوم؟ ليس لكم الحق لفرض هذه الصدمة على الملايين من الأطفال الذين يعيشون بهذا البلد وليسوا أتراكا”.
وأود أن أعرض بعض التعليقات التي ردت على التغريدة، وأتجاهل التعليقات التي قالت إنها ستفعل ذلك.. (إنني سأفعل…لأن أخلاقي تمنعني من استكمال كتابتها) وقبول التتريك وهؤلاء الذين أبلغوا الشرطة عني بتهمة أنني إرهابية.
“إذا كنتِ تعيشين هنا كمواطنة تركية فعليك تأكيد ذلك. نحن لا نميز بين الناس، سواء كردي أو أرميني، وفقا لأصولهم. إن لم تقبلي بالتتريك فلا حق لك في العيش هنا!”.
“أنا جورجي، وأشعر بفخر لأن أقول يا لها من سعادة أن تصف نفسك تركيّاً. أنه لشرف أن أقول يا لها من سعادة أن تصف نفسك تركياً، وأن أكون جديرا بهذه العبارة شرف آخر”.
“أنتِ تعيشين في تركيا، وتأكلين من ثمار التراب التركي، وتكتبين بالتركية (الأمر الذي سمح لك بالحصول على وظيفة)، فإن كانت هذه الأمور لا تشعرك بالراحة فمن فضلك اخرجي وانتقلي إلى شمال العراق”.
“كان من الممكن أن أكون يونانياً أو أرمينياً أو كردياً وربما أنا كذلك دون أن أعرف، لكنني ولدت في هذا البلد، وهذه أرضي، ما يا لها من سعادة أن تصف نفسك تركيا!! أقول لكِ اذهبي إلى كردستان إن لم تكوني تشعرين بالراحة، لكن للأسف ليس لديك مكان تذهبين إليه”. 
“إما إن تحبيها أو تتركيها”.
“انتبهي إلى تصرفاتك أيتها المرأة، فهذه هي الجمهورية التركية. أولا ينبغي أن تعرفي كيف ولماذا تعيشين على هذه الأرض. دم مَن وحياة مَن التي مكّنتكِ من العيش في هذا البلد بارتياح. وبذلك ستعرفين مكانك”.
“”طوبى لمَن يقول أنا تركيّ”!! ينبغي عودة نشيد الولاء!!! لا تستغلي الصدمة كعذر إذا كان غرورك لا يقبل (أن نقول) يحيا مصطفى كمال”.
“لا أحد يريدك وأمثالك في هذا البلد. لا نريد أن نتنفس نفس الهواء الذي يتنفسه أناس أمثالك. لغة واحدة وأمة واحدة وعلم واحد. ومن لا يقبل ذلك فليخرج (من تركيا)”.
“خذي أسرتك وأقاربك وانتقلوا إلى شمال العراق. لن تخسروا كثيرا”.
“إذا ذهبتِ إلى منطقة برزاني (في شمال العراقي) أو إلى منطقة وحدات حماية الشعب الكردية (في شمال سوريا) فلن يضطر أولادك لقراءة نشيد الولاء. لا مكان في هذا البلد لمن لا يحبون الأتراك!”.
“سوف ندفنك في المجاري…لن يستغرق الأمر وقتا طويلا الآن”.
“اغربي بعيدا أيتها الإرهابية”.
“تركيا تخص الأتراك”.
أود التنبيه أن التغريدات كانت ممتلئة بأخطاء إملائية ونحوية.
وبقراءة هذه التغريدات لم يكن من الصعب الشعور بالخزي للشعب الذي كتبها.
نظرت إلى بيانات هؤلاء الناس على حساباتهم، وكان بينهم “متصيدون” (trolls) لكن كان يوجد أيضا أطباء ومدرسون وموسيقيون وفنانون. وبمعنى آخر، أناس متعلمون من مختلف المهن.
نظام التعليم والاستقطاب، اللهجة العنصرية التي يفرضها السياسيون علينا تربي الأطباء والمدرسين العنصريين، وليس أمامنا خيار سوى أن نضع صحتنا وصحة أولادنا بين أياديهم.
لا أعرف ما إذا كان نشيد الولاء سيعود أم لا. لكن الذي أعرف أن عودته لن تغير شيئا. فتلاوة نشيد الولاء لن تسهم في استيعاب أو نشر الحب في قلوب الأتراك والأمن والشركس، واليونانيين، واليونانيين، والأطفال العرب الذين تصرون على إنكار وجودهم. 
وعلى العكس، سيشعرون بغضب، وسيظل هذا الغضب معهم بقية حياتهم.
وكيف أعرف ذلك؟ لأن الغضب الذي استشعرته تجاه الذين فرضوا هذه السياسات العنصرية الانقسامية علي كطفلة لم تنته بعد. لم أكرس حياتي لأي أحد ولن يفعل أطفالي كذلك أيضا. فالولاءات والعهود ستكون باطلة.
اطمئنوا. العهود الباطلة والولاءات الباطلة لا تحمي مستقبل البلاد. فمستقبل البلد يستقر فقط بمعاملة شعبه كمواطنين متساوين، وبإقامة مجتمع عادل يسمح لأفراد الشعب بالعيش بحرية، يحزنون معا، ويضحكون معا، ويحتفلون معا. مجتمع يحترم حقوق الجميع وأنماط حياتهم.