التصنيفات
ahvalnews

الحقبة الثانية من حكم الوصاية على أكراد تركيا

لا أعرف كيف ستُسجَّل هذه الحقبة في تاريخ تركيا. لكن، من أجل التوضيح، فقد قررت أن أسميها “حقبة الوصاية الثانية” أو “سلطنة الوصاية الثانية”.

بدأت حقبة الوصاية الأولى في سبتمبر 2016، عندما شرعت الحكومة المركزية في إزاحة الممثلين المنتخبين محلياً من حزب الشعوب الديمقراطي، وأتت بدلاً منهم بأوصياء من حزب العدالة والتنمية الحاكم. في النهاية، صار 95 من أصل 102 حكومة بلدية موالية للأكراد تحت سلطة أوصياء على مدى ثلاث سنوات.

وكتب الكثيرون، وأنا منهم، عمّا فعله الأوصياء المعينون من قِبَل الحكومة في الحقبة الأولى. ويستدعي الأمر عرض ملخص لأفعالهم. بدأ الأوصياء فعل الأفاعيل في قطاع الفنون والثقافة؛ فقد أزالوا الإشارات واللافتات الإرشادية المتعددة اللغات، ليُحلوا محلها إشارات باللغة التركية. فضلاً عن ذلك، فإن الأسماء الكردية لمدن مثل آميد ودرسيم، غُلِّبت عليها أسماء تركية مثل ديار بكر وتونجلي. وقد بلغ عدد المراكز الثقافية التي أغلقها الأوصياء 21 مركزاً.

وجرى تغيير أسماء حدائق وشوارع، بينما أُسقطت نصب تذكارية، وجرى تدمير معالم بارزة كانت تؤرخ للمذابح التي ارتُكبت بحق الأكراد. ومن بين تلك المعالم، النصب التذكارية لكل من أورهان دوغان، وأحمد خاني، وروبوسكي، وأور كايماز.

أعلن الأوصياء المعينون من قِبَل الحكومة الحرب على رموز وقيم المجتمع الكردي من الناحية العملية؛ فقد أُغلقت المسارح ومدارس تعليم اللغات المختلفة، والمكتبات، وأكاديميات الموسيقى التي كانت تهدف إلى المحافظة على الثقافة الكردية. بلغ الأمر أن أغلق بعض الأوصياء بيوت العزاء التي كانت تخدم المجتمع.

وكانت المكاسب التي تحققت في مجال حقوق المرأة أحد الأمور التي استهدفتها الوصاية أيضاً؛ فقد أغلق الأوصياء 43 مركزاً من مراكز المرأة، وملجأي نساء. أُغلقت أيضاً المكاتب السياسية التي كانت تستهدف معالجة قضايا المرأة، بالإضافة إلى خطوط مساعدة النساء عبر الهاتف. فضلاً عن ذلك، فقد فُصلت سائقات الحافلات من أعمالهن. لقد حاول الأوصياء محو أي أثر للمرأة في المجال العام.

بعد ذلك، استعاد حزب الشعوب الديمقراطي 69 بلدية في الانتخابات المحلية التي أُجريت في 31 مارس، ومن بينها ثلاث مناطق حضرية كبرى. وعندما فاز رؤساء بلديات حزب الشعوب الديمقراطي في الانتخابات واستعادوا مواقعهم، تمكنّوا من كشف حجم ديون البلديات التي تراكمت في وجود الأوصياء. وتبين أن جميع الحكومات البلدية التي كان يديرها أوصياء تراكمت عليها ديون بمليارات الليرات.

ولقد عرفنا كيف راكم هؤلاء كل تلك الديون في الأشهر من أبريل إلى مايو من هذا العام. أنا شخصياً رأيت الكثير من هذا خلال زياراتي لتلك البلديات. رأيت المراحيض المُذهّبة، والمكاتب الفخمة، وأماكن الاستحمام… وأطنان الحلوى التي استُهلكت في تلك السنوات الثلاث، و”الهدايا” التي كانت تُقدّم للزوار… كل ذلك تَكَشّف خلال أشهر قليلة من التغيير في الإدارات.

ومن يعرف ما الذي كان سيتكشّف أيضاً لولا الجولة الجديدة من تعيينات أوصياء الحكومة، التي أنهت تلك الفترة من الشفافية. بدأت حقبة الوصاية الثانية بتعيين الأوصياء في مدينتي ماردين وفان، شرقي وجنوب شرقي ديار بكر، في أغسطس 2019. وتلك التعيينات ما زالت مستمرة. أولاً يتم تعيين الوصي، ثم بعد هذا يتهم ذلك الوصيُ رئيسَ البلدية المنتخب بارتكاب جرائم ويزج به في السجن. ومنذ أغسطس، جرى استبدال 24 رئيس بلدية في المنطقة وحل محلهم أوصياء عينتهم الحكومة.

وأُلقي القبض على 13 رئيس بلدية مشترك، بينما اعتُقل 44 عضواً من أعضاء البرلمان وألقي القبض على تسعة، وأُطيح بالكثير من أعضاء مجالس المدن من مناصبهم. وخلال فترة قصيرة، انتُهكت إرداة نحو مليوني ناخب، معظمهم أكراد. ومنذ أول مرة يُعيَّن فيها أوصياء في عام 2016، والصورة العالقة بوضوح في ذهني هي صورة الأعلام والسيارات المصفحة وهي تُطوّق مباني البلديات.

في هذه الحقبة الثانية، الصورة الباقية معي هي صورة رؤساء البلديات المعزولين وهم ينتظرون خارج مباني البلديات، بعد أن رفض الأوصياء السماح لهم بالدخول إلى المباني التي انتُخبوا لإدارتها. قد لا يعني هذا أي شيء بالنسبة لك، لكن مشهد انتظار المسؤول المنتخب على الباب وهو لا يستطيع الدخول إلى المبنى الذي من المفترض أن يكون هو المسؤول عنه، يكسر قلوب الكثير من الأكراد، وأنا أحدهم.

وفي تقرير نشره مركز الأبحاث السياسية والاجتماعية الميدانية، قال 81.3 في المئة من المشاركين في استطلاع للرأي من ديار بكر وفان وماردين إنهم لا يؤيدون تعيين أوصياء. والحقيقة أني كنت في ماردين وديار بكر أثناء تلك التعيينات، وسمعت الكثير من الناس يعبرون عن تلك المشاعر نفسها، ومن بينهم مؤيدون لحزب العدالة والتنمية.

ولا يؤيد السكان المحليون تعيين الأوصياء. ويمكن للحزب الحاكم أن يستمر في إرسال الأوصياء كما يريد، لكن الأكراد سيظلون يصوتون في الانتخابات لصالح ممثلين عن الحركة السياسية الكردية، وستفوز الحركة السياسية الكردية في الانتخابات كل مرة (مع بعض الاستثناءات المحتملة). فما الذي سيحدث حينها؟ هل ستتجاهل الحكومة نتائج جميع الانتخابات وتعين أوصياء؟ هل سيستمر هذا للأبد؟

عندي اقتراح للحكومة. يجب عليها أن تتوقف عن إرهاق نفسها والشعب الكردي. يجب أن تعترف صراحة بأنها لم تعد تلتزم بقوانين هذا البلد، وتسمي النظام بمسمّاه الحقيقي. بهذا يمكنهم أن يستريحوا ويُريحونا أيضاً.