التصنيفات
مقالات

الأكراد والأرمن.. الخيط الذي دائما ما يتبع الإبرة في تركيا!

كانت الشمس تتوسط كبد السماء فوق مدينة ديار بكر عندما قررت الخروج للتمشي في منطقة سور التاريخية حيث تم الإعلان وقتها عن إعادة فتح مئذنة مسجد الشيخ مطهر (المئذنة التاريخية ذات الأربعة أقدام) بعد عامين ونصف العام من الإغلاق، وتحديدا منذ أن منعت السلطات زيارة المئذنة في الثاني من ديسمبر 2015 في أعقاب اغتيال نقيب المحامين في ديار بكر وصديقنا طاهر ألجي هناك.
كنت أدرك أنه سيكون من الصعب علي زيارة المئذنة بعد عامين، لكنني ذهبت على أي حال. كانت المئذنة مغطاة بأعلام تركية. بالتالي، لم أشعر أنها عادت لتكون مئذنتنا مثلما كانت في السابق. وقفت أمام أقدامها الأربعة (هي في الحقيقة أربع قواعد لكن المئذنة باتت تعرف الآن بالمئذنة ذات الأربعة أقدام)، وعادت بي الذكريات حيث كنت هناك آخر مرة في الأول من ديسمبر 2015، وأخذت أبكي بحرقة بينما كانت القطط تحاول أن تلعق ما تبقى من آثار دماء طاهر الجافة. لذلك، مكثت هناك لبضع ساعات حيث قمت بحراسة هذه البقعة حتى بدء سريان حظر التجول.
كانت المئذنة والمسجد مفتوحين للزوار، لكن خلف المئذنة تبدأ حدود حظر التجول الذي كان لا يزال ساريا في ستة أحياء في منطقة سور. ولم يكن في استطاعتي الذهاب إلى كنيسة سانت جيراجوس الأرمنية، التي تعرضت للنهب، مثلها مثل العديد من المواقع التاريخية الأخرى في المنطقة الخاضعة لحظر التجول. ولأكثر من عامين ونصف، لم يكن السكان بمقدورهم دخول المنطقة التي ظلت حكرا على قوات الأمن طوال هذه الفترة. وبالتالي، من ذا الذي يمكنه نهب هذه المواقع التاريخية؟
وقتها، انتشرت الأقاويل في المدينة كالنار في الهشيم، وتداول السكان قصصا بشأن مقتنيات قيمة ومجوهرات أثرية تم الاستيلاء عليها من المواقع التاريخية داخل منطقة حظر التجول وبيعها. وقد سمعت بنفسي أحد هذه القصص حينما ذهبت إلى سوق الذهب لزيارة أحد أصحاب المحلات الذين تربطني بهم معرفة طويلة. وأكد لي آنذاك أن الكثير من الحلي الأثرية تسللت من المنطقة إلى سوق الذهب حيث تم بيعها، وأضاف أن أشخاصا تربطهم علاقات وثيقة بقوات الأمن هم من أحضروا هذه المجوهرات إلى السوق.

جامع في تركيا
واصلت سيري إلى حي علي باشا، أحد أقدم الأحياء في المدينة، والذي صادرته السلطات تحت مسمى التطوير الحضري. وبعد أن صمدت مباني هذا الحي ومعالمه لأكثر من ألف عام، هدمتها معاول السلطات البلدية في أسابيع قليلة. وبالقرب من المنطقة المنكوبة، كانت هناك بعض الخيام التي تؤوي العائلات التي فقدت منازلها دون أن يكون لديها مكان يذهبون إليه.
وخلال سيري في الشوارع الضيقة خلف المنطقة المهدمة، رأيت العديد من المواد الأثرية معروضة للبيع، مثل النافورات والأبواب والأحجار القديمة التي تعود إلى المباني التاريخية التي هدمتها الدولة. فسألت امرأة كانت تكنس الشارع: “لمن هذه السلع؟” فردت “إنها الأشياء التي تعود إلى البيوت القديمة”. فعاودت سؤالها: “لماذا هم هنا؟” فأجابت “هم للبيع”. هذه الإجابة أشعرتني بالحزن البالغ، فالتاريخ هنا أصبح سلعة تباع وتشترى، وفي منطقة مثل سور تعود إلى سبعة الآف سنة، ليس تاريخ الأكراد فقط هو المعروض للبيع، فهناك أيضا تاريخ الأرمن والكلدانيين والآشوريين. كل هذه الحضارات وآثارها معروضة للبيع!
هذه المشاهد أعادت إلى ذاكرتي القصص التي كانت تحكيها لي جدتي قبل أن تتوفاها المنية في عام 2014 عن عمر ناهز 104 أعوام. فقد شهدت الإبادة الجماعية للأرمن على أيدي القوات العثمانية واعتادت على دندنة أغاني كانت قد تعلمتها من جيرانها الأرمن. وعندما كانت تردد هذه الأغاني، كانت وكأنها تعيش هذه الأحداث مرة أخرى. فقبل مئة عام، كان الأرمن والأكراد يعيشون سوية في قريتنا الشيخ سلامة في منطقة دجلة بمدينة ديار بكر. وإبان الإبادة الجماعية، اقتحم الجنود القرية وجمعوا الأرمن واقتادوهم إلى حتفهم.
حكت لي جدتي أن الجنود أخذوا جيراننا واحدا تلو الآخر، وكانت هي وقتها طفلة صغيرة تقف إلى جوار عمها عندما سأله جاره الأرمني “لماذا تدعهم يأخذوننا؟” فأجاب العم: “إنهم يمثلون الدولة، ماذا يمكننا أن نفعل؟” فقال الجار الأرمني: “الأرمن والأكراد هم مثل الإبرة والخيط. والخيط دائما ما يتبع الإبرة” وكلما أعادت سرد هذه القصة، تكرر “الخيط دائما ما يتبع الإبرة.”
وبالفعل، تبع الخيط الإبرة على مدار القرن الماضي، فبعد محو الأرمن من هذه الأرض، حولت الدولة بوصلة عنفها ناحية الأكراد، وبعد أن كان العدو الداخلي للدولة هم الأرمن قبل مئة عام، يلعب الأكراد اليوم هذا الدور، وبعد أن قامت الدولة بطرد الأرمن من موطنهم قبل مئة عام، يأتي الدور الآن على الأكراد.
وعندما كنت أتجول في شوارع سور المهدمة، قفزت إلى ذاكرتي العبارات الصادرة من مكبرات الصوت المثبتة فوق المدرعات التابعة للدولة أثناء القصف في عام 2015: “أنتم جميعا أرمن، أنتم جميعكم أرمن لقطاء.”
وبعد مرور مئة عام على الإبادة الجماعية، ما زال الأرمن “لقطاء” في نظر الدولة التركية. والان تجتمع الكراهية تجاه الأرمن والأكراد حتى بات ينظر إلينا باعتبارنا لقطاء تركيا.
نعم يا جدتي، لقد تبع الخيط الإبرة. لكن الوقت قد حان لقطع الخيط وتغيير هذا المصير! فالآوان لم يفت بعد!