التصنيفات
ahvalnews مقالات

الظلم أبقى ثمانينياً كردياً بالسجن 23 عاماً | أحوال تركية

منذ 23 عامًا يقبع المواطن الكردي محمد أمين أوزقان البالغ من العمر 80 عامًا في أحد سجون ولاية ديار بكر ذات الأغلبية الكردية (جنوب شرق تركيا) بشكل غير قانوني، ودون أن يكون هناك أي دليل ضده. وطيلة هذه المدة دب اليأس بداخله لدرجة جعلته لا ينتظر العدالة. فدعوني في هذا المقال أقص عليكم حكاية العم محمد.

بدأت وقائع القصة يوم 22 أكتوبر من العام 1993 حينما تعرض اللواء، باهتيار آيدين القائد الإقليمي آنذاك لقوات الدرك بمدينة “ليجا” في ولاية ديار بكر، للاغتيال. ونتيجة لذلك اندلعت الأحداث ليتم قتل 16 شخصًا، ويحرق عدد كبير من المنازل وأماكن العمل، ويجبر مئات الأشخاص جرّاء ذلك على الهجرة.

وإبّان تلك الأحداث تم اعتقال العم محمد أمين أوزقان الذي يقيم بقرية “سيسه” (يول تشاطي) التي تبعد عن مدينة “ليجا” بـ6 كيلومترات، وذلك على خلفية اتهامه بـ”الانتماء لتنظيم إرهابي”، في إشارة لحزب العمال الكردستاني المدرج من قبل أنقرة على قوائم التنظيمات الإرهابية. ليبقى بعد اعتقاله 18 يومًا تحت التعذيب. وبعد ذلك تم إجباره على التوقيع على أقوال لم يقلها قدمت إليه فقام بالتوقيع عليها؛ لأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة، ولا يعرف كذلك اللغة التركية. وبسبب هذه الاعترافات بدأت محاكمته بتهمة قتل باهتيار آيدين، ليصدر ضده في البداية حكم بالإعدام، ثم يتم استبداله بالسجن المؤبد بعد إلغاء عقوبة الإعدام في البلاد.

 وبينما تبقى يوم واحد فقط على سقوط القضية بالتقادم، قام المدعي العام بديار بكر، عثمان جوشقون، عام 2013 بإعادة فتح ملف “ليجا”، ليؤكد في مذكرة الادعاء أن ما حدث في تلك المدينة من أحداث تم ارتكابها من قبل وحدة خاصة في قوات الدرك التركية  تعرف اختصارًا باسم (جيتم)- مسؤولة عن جمع الأخبار ومكافحة الإرهاب. وطالب المدعي العام في مذكرته بإنزال عقوبة السجن المؤبد المشدد لمدد تصل إلى 24 عامًا بحق كل من العقيد المتقاعد، أشرف خطيب أوغلو، قائد فوج الدرك بديار بكر آنذاك، والملازم أول توناي ينارداغ، وذلك لاتهامهم بـ”القتل العمد”، و”تحريض الناس على التمرد وقتل بعضهم البعض”، و”تشكيل تنظيم بهدف ارتكاب جريمة”. ووردت بمذكرة الادّعاء جملة “لقد تم إحضار المضابط المتعلقة بهذه الأحداث من المحكمة، وإعادة فحصها، ولم نرصد أية معلومة تشير إلى ضلوع محمد أمين أوزقان في هذه الأحداث”. والخلاصة هي أن هذا الرجل بحسب مذكرة المدّعي العام، برئ من أية تهم منسوبة إليه.

وعلى إثر ذلك تقدم محامي محمد أمين أوزقان بطلب عام 2013؛ لإعادة محاكمة موكله من جديد، وتم قبول الطلب، غير أنه كان عليه الانتظار لحين الانتهاء من الملف الرئيس في قضية أحداث مدينة “ليجا”، وبالفعل تم الانتهاء من هذا الملف عام 2018، وتحديدًا في شهر ديسمبر من ذلك العام. وخلال تلك الفترة مات الملازم أول توناي ينارداغ، وتمت تبرئة العقيد أشرف خطيب أوغلو. وهذه المرة كانت هناك حاجة لانتظار مرحلة محكمة الاستئناف لإحراز تقدم في ملف العم محمد أمين أوزقان.

وبدأت هذه المرحلة في شهر يونيو 2019. لكن لم يبقَ أي عسكري متهمًا بالقضية، لتلقى تهمة قتل باهتيار آيدين على العم أوزقان ذلك المسن الثمانيني.

محمد أمين أوزقان الذي يعرف من قبل أقاربه باسم “آبي ديدو” يقبع بالسجن منذ 23 عامًا، ويعاني كثيرًا من الأمراض. وثمة فقاقيع في منتصف رأسه تكونت جرّاء ما تعرض له من عمليات تعذيب. فلقد تعرض لخمس أزمات قلبية في السجن، كما تعرض ثلاث مرات لورم وعائي، وركبت له دعامة في القلب، ولديه مرض مزمن في الأمعاء، وتضخم الغدة الدرقية السامة، ومرض ارتشاف العظام، فضلا عن عجز في الرؤية والسمع. كما أنه لا يستطيع أن يقوم بتلبية احتياجاته الشخصية من مأكل، ومشرب، واستحمام، ودخول للحمام لقضاء حاجته. وهو بحاجة إلى عناية خاصة. ورغم حصوله على تقرير من المستشفى التعليمي بديار بكر، يقول بأن لديه فقد في وظائف الجسم بنسبة 87 في المئة، ولا يمكن بقائه بالسجن، إلا أنه طلب منه تقرير من الطب الشرعي بإسطنبول، وبالفعل صدر التقرير الذي أكد أنه يمكن بقائه بالسجن.

ليس هذا فحسب، بل إن ثلاثة من أبناء العم محمد أمين أوزقان مسجونون هم أيضًا. ولقد تحدثت مع ابنه الصغير الذي وإن لم يتذكر الفترة التي حرقت فيها مدينة “ليجا”، فإنه يتذكر إلى حد ما الأزمنة التي حرقت فيها قريتهم، بحسب قوله لي، إذ قال في هذا الصدد “لقد حرقت قريتنا مرة، وبيتنا ثلاث مرات”. وذكر أنه حينما بدأ المرحلة الابتدائية كان لا يعرف اللغة التركية الأمر الذي سبب له كثيرًا من المتاعب والإهانات، وأنه تعرض للضرب من المدرس بسبب ذلك. وأضاف “لكن لما وصلت للصف الثالث الابتدائي صارت التركية عندي جيدة”. وأشار إلى أنهم يذهبون لرؤية أبيهم أسبوعيًا منذ 23 عامًا. وتابع “لقد تعرضت عائلتنا لأزمات كبيرة ماديًا ومعنويًا. فحينما كنا بالقرية كانت حالتنا جيدة، إذ كانت لدينا قطعة أرض كنا نقوم بزراعتها. لكن في آخر مرة تعرضت فيها القرية للحريق نفقت جميع حيوانتنا”.

فرددت عليه قائلة “حسنًا، وهل العم محمد أمين أوزقان لا زال مفعمًا بالأمل؟”. فرد قائلا: “لا لم يعد كذلك، فهو لم يعد ينتظر العدالة بعد”.

وبعد هذه المقابلة بأسبوع التقينا الابن الصغير مرة ثانية، فقال لي إنه كتب طلبًا إلى رئاسة محكمة الجنايات السابعة بولاية أضنة؛ لوقف تنفيذ العقوبة بحق والده، حتى أنه أرسل لي هذا الطلب. وبينما أكتب لكم هذه السطور علمت أن طلبه هذا تم رفضه.

فنحن الآن أمام حالة من الظلم الفاحش، والشر المفزع، هذا الظلم هو الذي أبقى على هذا الرجل الثمانيني في السجن لمدة 23 عامًا والجميع يعلم جيدًا أنه برئ، ذلك الظلم الذي ينتظر خروج هذا الرجل من محبسه محمولا في نعشه ليوارى الثرى.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: